الشيخ راضي آل ياسين
39
صلح الحسن ( ع )
مكان استعراضها . ولسنا الآن بصدد مناقشة المتأولين أو مساجلة المتعبدين ، لان كل شئ مما نتفق عليه معهم جميعاً ، أو مع فريق واحد منهم ، أو مما نختلف فيه قد تم في حينه على صورته . وليس فيما تتناوله بحوثنا الآن ما يستطيع ان يغير الواقع عن واقعه . ولكنا - ولنلتمس المعاذير للمتأولين - على مخالفتهم لنصوص نبيهم نقول : انهم نظروا إلى هذه النيابة عن الوحي التي جعلها رسول اللّه ( ص ) للكتاب وللعترة من بعده ، في حديثه هذا وفي نظائره الكثيرة من الأحاديث الأخرى ، نظرتهم السياسية التي لا تعني الانكار على رسول اللّه ، ولكنها تهدف - قبل كل شئ - إلى " المصلحة " فيما يرون ، ورأوا ان وجوب إطاعة الأوامر النبوية في الموضوعات السياسية ، منوط بذوي التجارب من الشيوخ المتقدمين بالسن . فان صادقوا على ما أراده النبي فذاك ، والا فليكن ما أرادوا هم . وهكذا زويت الخلافة عن العترة . وهكذا صار من الممكن وربما من المستحسن لدى فريق عظيم من مسلمة محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) ، ان يصبح معاوية أيضاً ممن ينازع على خلافة الاسلام ويطلبها لنفسه ، ويحتج عليها بالسن ( 1 ) أيضاً ، ويصادق عليها الشيوخ المسنون أيضاً كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة الدوسي . ولم تكن حملة معاوية هذه بما فيها من استخفاف بقدسية الاسلام ، الأولى من نوعها ، ولكنها كانت تمتد بجذورها إلى عهد أقدم ، والى تصالح وتعاون أسبق ، ومن طراز أسمى ( 2 ) . ولم يبق مخفياً ان الحجر الأساسي لهذا التدهور غير المنتظر ، كان هو الذي بني هناك في المدينة المنورة ، وقامت عليه سقيفة بني ساعدة بما
--> ( 1 ) يلحظ هنا كتاب معاوية إلى الحسن عليه السلام شرح النهج ( ج 4 ص 13 ) . ( 2 ) ويراجع للتأكد تصريح معاوية نفسه فيما رواه المسعودي ( ج 6 ص 78 - 79 هامش ابن الأثير ) . وبنى على ذلك كثير من شعرائنا القدامى قصائدهم العامرة . وهو ما عناه مهيار الديلمي في لاميته بقوله : وما الخبيثان ابن هند وابنه * * * وان طغى خطبهما بعد وجل بمبدعين في الذي جاءا به * * * وانما تقفيا تلك السبل وهو ما عناه قبله أستاذه الشريف الرضي رحمه اللّه بقوله : الا ليس فعل الآخرين وان علا * * * على قبح فعل الأولين بزائد وهو ما عناه قبلهما الكميت بقوله : يصيب به الرامون عن قوس غيرهم * * * فيا اخرا أسدى له الشر أول إلى أمثال كثيرة أخرى .